أبي هلال العسكري
20
الصناعتين ، الكتابة والشعر
كلّ التهذيب ؛ ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما ، وفيلسوفا عظيما ، ومن تعوّد حذف فضول الكلام ، وإسقاط مشتركات الألفاظ ؛ ونظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة فيها ، لا على جهة الاستطراف والتطرّف لها . قال : واعلم أنّ حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا « 1 » ، وتلك الحال له وفقا ، ولا يكون الاسم فاضلا ، ولا مقصّرا ، ولا مشتركا ، ولا مضمّنا ؛ ويكون تصفّحه لمصادر كلامه بقدر تصفّحه لموارده ؛ ويكون لفظه مونقا ، ومعناه نيّرا واضحا . ومدار الأمر على إفهام كلّ قوم بقدر طاقتهم ، والحمل عليهم على قدر منازلهم ؛ وأن تواتيه آلته ، وتتصرف معه أداته ، ويكون في التهمة لنفسه معتدلا ، وفي حسن الظن بها مقتصدا ؛ فإنه إن تجاوز الحقّ في مقدار حسن الظن أودعها تهاون الآمنين ، وإن تجاوز بها مقدار الحقّ في التهمة ظلمها وأودعها ذلّ المظلومين . ولكلّ ذلك مقدار من الشغل ، ولكلّ شغل مقدار من الوهن ، ولكل وهن مقدار من الجهل . فقوله « 2 » : « أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة » وأول آلات البلاغة جودة القريحة وطلاقة اللسان . وذلك من فعل اللّه تعالى ؛ لا يقدر العبد على اكتسابه لنفسه واجتلابه لها . ومن الناس من إذا خلا بنفسه وأعمل فكره أتى بالبيان العجيب ، والكلام البديع المصيب ، واستخرج المعنى الرائق ، وجاء باللفظ الرائع . وإذا حاور أو ناظر قصّر وتأخّر . فحقّ هذا ألّا يتعرض لارتجال الخطب ، ولا يجارى أصحاب البدائة في ميدان القريض ، ويكتفى بنتائج فكره . والناس في صناعة الكلام على طبقات : منهم من إذا حاور وناظر أبلغ وأجاد ، وإذا كتب وأملى أخلّ وتخلّف . ومنهم من إذا أملى برّز ، وإذا حاور أو كتب
--> ( 1 ) الطبق من كل شيء : ما ساواه . ( 2 ) أي قول حكيم الهند ص 19 .